النويري
36
نهاية الأرب في فنون الأدب
وقولهم : « شغل الحلى أهله أن يعارا » : يضرب للمسئول شيئا هو إليه أحوج من السائل . وقولهم : « شبّ عمرو عن الطَّوق » قاله جذيمة الأبرش ، وعمرو هذا هو ابن أخته وهو عمرو بن عدىّ بن نصر . حرف الصاد قولهم : « صبرا على مجامر الكرام » قال ذلك يسار الكواعب ، وكان عبدا أسود يرعى لأهله إبلا ضخمة ، وكان معه عبد يراعيه ، فمرّ أهله يوما سائرين بحذاء الإبل التي يرعاها ، فعمد إلى لقوح فحلبها في علبة ، حتّى ملأها ثم مشى بها ، وكان أفجح الرّجّلين ، حتى أتى بها ابنة مولاه يسقيها ، وهى راكبة على جملها ، فنظرت إلى رجليه فتبسمت ، ثم شربت اللبن وجرته خيرا ، فانطلق فرحا حتّى أتى صاحبه ، فقصّ عليه القصة ، فقال : اسخر بنفسك ولا تسخر ببنات الأحرار ؛ فقال : واللَّه لقد دحكت إلىّ دحكة لا أخيّبها ، يريد : ضحكت ، وكان أعجمىّ اللسان ، ثم باتا فقام فحلب في علبة فملأها ، ثم أتى ابنة مولاه ، فنبّهها من نومها فاستيقظت وشربت ، ثم اضطجعت وجلس يسار حيالها ، فقالت : ما حاجتك ؟ فقال : ما أعلمك بحاجتي ! فقالت : لا واللَّه ! فما هي ؟ قال : ذاك الرجل الذي دحكت إلىّ . فقالت : حيّاك اللَّه ، وقامت إلى سفط لها فأخرجت منه بخورا ودهنا طيبا ، وعمدت إلى موسى كانت تحفّ به الشعر ، وأخذت مجمرة فيها نار ، فوضعت عليها البخور ووضعتها تحته ، وطأطأت كأنها تصلح البخور ، فعمدت إلى مذاكيره فمسحتها بالموسى ، فلما أحس بحرارة الحديد . قال : صبرا على مجامر الكرام ، ثم أومأت إلى أنها تدهنه وقالت :